السبت 12 سبتمبر 2026 11:25 صـ 29 ربيع أول 1448هـ
أخبار مصر 2050
  • رئيس التحرير التنفيذي مها الوكيل
  • مستشار التحرير د. عبد الرحمن هاشم
المقالات

اشرف محمدين يكتب : « العتاب كالحب لا تعطه الا لمن يستحق »

أخبار مصر 2050

في عالم العلاقات الإنسانية، هناك مشاعر كثيرة تختلط على الناس في فهمها. البعض يظن أن الحب هو أعلى درجات الاهتمام، وأن الصمت هو أعلى درجات الحكمة، وأن العتاب مجرد شكوى عابرة أو جدال لا فائدة منه. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فهناك شعور صغير في شكله، كبير في معناه، اسمه العتاب. شعور لا يولد من الفراغ، ولا يُمنح لكل الناس، بل يخرج من القلب فقط لمن ما زال لهم مكان فيه.

العتاب ليس خصومة كما يعتقد البعض، وليس رغبة في إثبات الخطأ أو الانتصار في جدال. العتاب في جوهره محاولة صادقة لإنقاذ شيء نخاف أن يضيع. هو صوت القلب عندما يرفض أن تمرّ بعض المواقف بصمت، لأنه ما زال يرى في العلاقة قيمة تستحق الإصلاح. الإنسان لا يذهب ليعاتب شخصًا لا يعني له شيئًا، ولا يفتح قلبه لمن قرر أن يخرجه من حياته. العتاب يحدث فقط عندما يكون هناك حب، أو تقدير، أو ذكريات تجعل الصمت أصعب من الكلام.

لذلك فإن العتاب في حقيقته ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل هو نوع من الشجاعة العاطفية. شجاعة أن تقول لمن تحب إن شيئًا ما آلمك، وأنك ما زلت تعتبره قريبًا بما يكفي ليعرف ما حدث داخلك. أما اللامبالاة فهي أسهل بكثير؛ أن تصمت، أن تتجاهل، أن تدير ظهرك وتمضي دون أن تشرح شيئًا. الصمت أحيانًا ليس حكمة، بل إعلان هادئ بأن العلاقة لم تعد تستحق حتى محاولة الإصلاح.

والغريب أن كثيرًا من الناس يضيقون بالعتاب، ويعتبرونه إزعاجًا أو مبالغة في الحساسية. يتمنون علاقات بلا أسئلة، وبلا تفسير، وبلا مواجهة. يريدون راحة الصمت، دون أن يدركوا أن الصمت الطويل قد يكون بداية النهاية. لأن الإنسان عندما يتوقف عن العتاب، لا يعني ذلك أنه أصبح أكثر تفهمًا أو تسامحًا، بل ربما يعني ببساطة أنه تعب… أو أنه لم يعد يرى جدوى من الكلام.

هناك لحظة دقيقة في العلاقات لا ينتبه لها كثيرون. لحظة يتحول فيها العتاب إلى صمت. في البداية كنا نتحدث، نناقش، نوضح، نحاول أن نفهم بعضنا. ثم يأتي وقت نشعر فيه أن الكلام لم يعد يغير شيئًا، وأن التفسير لم يعد مهمًا. عندها يختفي العتاب تدريجيًا، ليس لأن الجرح لم يعد موجودًا، بل لأن القلب نفسه بدأ يتراجع خطوة إلى الخلف. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

فالعتاب في كثير من الأحيان هو آخر خيط يربط القلوب ببعضها. طالما أن الإنسان ما زال يعاتبك، فهذا يعني أنه ما زال يرى فيك مكانًا يستحق أن يُحافظ عليه. أما عندما يتوقف عن العتاب، فغالبًا يكون قد بدأ يتصالح مع فكرة الفقد. قد يظل موجودًا في حياتك، يتحدث معك، يبتسم أحيانًا، لكن شيئًا داخله قد انسحب بهدوء.

ولهذا فإن الحكمة ليست في تجنب العتاب، بل في فهمه. أن ندرك أن بعض الكلمات التي تُقال في لحظة عتاب ليست هجومًا، بل محاولة أخيرة لحماية علاقة لها قيمة. وأن القلب الذي يشرح ألمه ما زال يراهن على بقاء الود. أما القلب الذي يصمت تمامًا، فقد يكون قد أنهى الرهان دون أن يعلن ذلك بصوت عالٍ.

مثلما لا نعطي حبنا لكل الناس، لا ينبغي أن نعطي عتابنا للجميع أيضًا. فهناك أشخاص يستحقون أن نشرح لهم، وأن نفتح لهم أبواب القلب، وأن نقول لهم إن بعض تصرفاتهم آلمتنا. وهناك آخرون لا يستحقون حتى هذا الجهد العاطفي. لأن بعض العلاقات تُصلحها كلمة صادقة، وبعضها لا ينقذها ألف تفسير.

فالعتاب، مثل الحب تمامًا، قيمة لا ينبغي أن تُهدر.
أعطه فقط لمن يعنيهم بقاؤك… ولمن يعنيك بقاؤهم.
أما الذين لا يشعرون بثقل غيابك، فلا تُتعب قلبك بمحاولة شرح ما لن يهتموا بفهمه.
فبعض الصمت ليس ضعفًا… بل احترام لما تبقى من كرامة القلب في النهاية - لا تخف من العتاب، بل خف من اليوم الذي لا تجد فيه في قلبك رغبة أن تعاتب أحدًا. فحين يموت العتاب، لا يعني أن الجراح اختفت، بل يعني أن القلب اختار الصمت بدل المحاولة، والانسحاب بدل الشرح. العتاب ليس ضجيج العلاقات كما يظنه البعض، بل هو نبضها الخافت الذي يقول إن في القلب ما زال شيء يستحق البقاء. لذلك لا تبخل بعتابك على من يستحق، ولا تُهدره على من لا يرى قيمته. فالحب الحقيقي لا يهرب من العتاب، بل يفهمه… لأنه يدرك أن القلوب التي ما زالت تعاتب، هي القلوب التي لم تتعب بعد من المحاولة. أما حين يحل الصمت الكامل، فغالبًا لا يكون ذلك سلامًا… بل نهاية هادئة لا يسبقها إنذار

اشرف محمدين المقالات

مواقيت الصلاة

السبت 11:25 صـ
29 ربيع أول 1448 هـ 12 سبتمبر 2026 م
مصر
الفجر 04:10
الشروق 05:38
الظهر 11:51
العصر 15:23
المغرب 18:05
العشاء 19:24