السبت 19 سبتمبر 2026 03:18 مـ 6 ربيع آخر 1448هـ
أخبار مصر 2050
  • رئيس التحرير التنفيذي مها الوكيل
  • مستشار التحرير د. عبد الرحمن هاشم
المقالات

اشرف محمدين يكتب: « نتسامح نعم - لكن لا نثق مرتين»

نتسامح نعم - لكن لا نثق مرتين
نتسامح نعم - لكن لا نثق مرتين

قد أكون طيبًا بما يكفي لأسامحك، لكنني لست غبيًا بما يكفي لأثق بك مرة أخرى.

ليست هذه عبارة قاسية، ولا رد فعل ولدته لحظة غضب، بل خلاصة رحلة طويلة من الألم، ونتيجة تجربة تعلّم فيها القلب أن الغفران لا يعني محو الذاكرة، وأن التسامح لا يفرض على الإنسان أن يعود إلى نقطة البداية وكأن شيئًا لم يكن. فالقلب قد يلتئم، لكنه لا يعود أعمى كما كان قبل الجرح، والروح قد تهدأ، لكنها لا تنسى الدرس الذي دفعته ثمنًا من عمرها وطمأنينتها.

في الحياة الزوجية، لا يولد الخذلان في لحظة واحدة، وإنما ينمو بصمت عبر تراكمات صغيرة، وكلمات مؤذية، ومواقف متكررة، حتى يأتي اليوم الذي يسقط فيه كل ما كان يبدو راسخًا. وحينها قد يختار الطرف المجروح أن يسامح، ليس ضعفًا ولا استسلامًا، وإنما لأنه يرفض أن يحمل الكراهية في قلبه، ويؤمن أن السلام الداخلي أثمن من الانتقام. لكن المسامحة شيء، وإعادة الثقة شيء آخر تمامًا؛ فالثقة لا تُستعاد بالدموع، ولا بالوعود، ولا بكثرة الاعتذارات، وإنما تُبنى من جديد فوق سنوات من الصدق والثبات والتغيير الحقيقي.

فالخطأ في ذاته لا يصنع النهاية، لأن البشر جميعًا يخطئون، لكن ما يصنع الفارق هو ما يحدث بعد الخطأ. هناك من يطلب الصفح ثم يعود إلى عاداته القديمة وكأن الاعتذار يمحو آثار الجراح، وهناك من يدرك أن ما كُسر لن يعود إلا إذا أعاد بناءه حجرًا فوق حجر، بصبر طويل، وسلوك مختلف، واحترام دائم لمشاعر من جرحه. وبين هذين النموذجين تتحدد مصائر العلاقات؛ فبعضها ينهض من جديد، وبعضها يظل واقفًا على أنقاض الثقة المفقودة.

والثقة في الزواج ليست هدية تُمنح لمجرد وجود عقد أو سنوات من العشرة، وإنما هي رصيد يتراكم بالمواقف، ويكبر بالوفاء، ويترسخ بالصدق، ويحرسه الاحترام المتبادل. فإذا انهار هذا الرصيد مرة، فإن استعادته لا تكون تلقائية، ولا مجانية، لأن التاريخ لا يمكن محوه، لكنه قد يصبح أقل إيلامًا إذا أثبت المستقبل أن الماضي لن يتكرر.

وليس في الحذر بعد الجرح قسوة، بل هو حكمة اكتسبها القلب بعد أن عرف ثمن الطمأنينة المطلقة. فالإنسان الذي انكسرت ثقته لا يرفض العودة بدافع الكبرياء، وإنما بدافع حماية ما تبقى من نفسه. ومن يظن أن الحب وحده قادر على إزالة آثار الخذلان، لا يدرك أن الحب قد يغفر، لكنه لا ينسى بما يكفي ليمنح الأمان ذاته مرة أخرى. فالمشاعر قد تعود، أما الثقة فلا تعود بالصيغة نفسها، ولا بالاندفاع نفسه، ولا بالبراءة نفسها.

ولهذا فإن الاعتذار، مهما كان صادقًا، لا يكفي وحده. الكلمات لا تبني الجسور، وإنما الأفعال وحدها هي التي تفعل ذلك. والتغيير الحقيقي لا يُقاس بما يُقال في لحظة الندم، بل بما يستمر بعد انتهاء تلك اللحظة. إنه يتحول إلى أسلوب حياة، وإلى التزام دائم، وإلى قدرة على احترام الحدود، وضبط النفس، وتحمل مسؤولية الماضي دون ضيق أو تذمر.

وحين تُمنح فرصة جديدة، فإنها لا تشبه الفرصة الأولى أبدًا. فهي تأتي بقواعد مختلفة، ووعي أعمق، وحدود أوضح، وشفافية أكبر. ليس لأن الحب ضعف، وإنما لأن الألم جعل القلب أكثر نضجًا، وأكثر إدراكًا لما يجب أن يحميه. ومن يريد استعادة ثقة فقدها، عليه أن يقبل هذه القواعد باعتبارها الثمن الطبيعي لإنقاذ العلاقة، لا باعتبارها إهانة أو عقابًا.

وفي المقابل، فإن على الطرف المجروح أيضًا أن ينتبه إلى ألا يتحول الحذر إلى سجن دائم، أو إلى شك يلتهم كل فرصة للحياة. فالمراقبة يجب أن تكون بعقل لا بهوس، والحذر ينبغي أن يكون حماية لا انتقامًا، لأن العلاقة لا يمكن أن تستمر إذا عاش أحد الطرفين متهمًا إلى الأبد، وعاش الآخر أسيرًا لمخاوفه. وإعادة بناء الثقة مسؤولية مشتركة، وإن كان عبؤها الأكبر يقع على من كان سببًا في انهيارها.

وهكذا تبقى الحقيقة التي لا تتغير: المغفرة قرار أخلاقي نبيل، أما الثقة فهي امتحان طويل لا ينجح فيه إلا من أدرك حجم ما هدمه، واحترم الألم الذي تركه في قلب شريكه، وأثبت مع الأيام، لا مع الكلمات، أن الجرح لن يُفتح مرة أخرى.
و في النهاية
النفوس الكريمة تستطيع أن تسامح، لكن العقول الحكيمة لا تمنح ثقتها مرتين إلا لمن أثبت أن التغيير أصبح جزءًا من شخصيته، لا مجرد وسيلة لاستعادة ما فقده. ولذلك، قد نفتح بابًا جديدًا للحياة، لكننا لن نفتحه بالطريقة القديمة، لأن القلوب التي خرجت من الألم لا تعود كما كانت، بل تعود أكثر وعيًا، وأكثر قوة، وأكثر قدرة على التمييز بين من يستحق الثقة… ومن لا يستحقها

اشرف محمدين المقالات

مواقيت الصلاة

السبت 03:18 مـ
6 ربيع آخر 1448 هـ 19 سبتمبر 2026 م
مصر
الفجر 04:14
الشروق 05:41
الظهر 11:49
العصر 15:18
المغرب 17:56
العشاء 19:14