اشرف محمدين يكتب :-سوء الظن - خراب البيوت
سوء الظن - خراب البيوت
هناك بيوت واجهت الفقر فتماسكت، ومرت عليها الأمراض فازدادت قربًا، وتحملت ضغوط الحياة وتقلبات الأيام، لأن ما كان يجمع أهلها أكبر بكثير مما كان يفرقهم… وهناك بيوت كانت تملك كل شيء؛ المال، والراحة، والاستقرار، وربما المظهر الذي يحسدهم عليه الناس، لكنها انهارت من الداخل لأن الشك تسلل إليها متخفيًا في صورة أسئلة بريئة، ثم تحول مع الوقت إلى يقين زائف، فأصبح كل تصرف محل اتهام، وكل كلمة تحمل أكثر من معنى، وكل تأخير له ألف تفسير، وكل صمت دليل إدانة، حتى صار الحب نفسه مطالبًا كل يوم بأن يقدم شهادة حسن سير وسلوك.
وسوء الظن لا يبدأ صاخبًا، بل يبدأ همسة صغيرة يقولها العقل للنفس: “أكيد يقصد كذا”… “أكيد أخفى عني الحقيقة”… “أكيد تغير”… والغريب أن الإنسان بعد ذلك لا يعود يبحث عن الحقيقة، بل يبحث فقط عن الأدلة التي تؤكد ما اقتنع به مسبقًا، فيرى ما يريد أن يراه، ويتجاهل كل ما يخالف ظنونه، وكأن قلبه أصبح قاضيًا أصدر الحكم قبل أن تبدأ المحاكمة.
والمؤلم أن الطرف الآخر قد يكون بريئًا تمامًا، لكنه مع كثرة الاتهامات يشعر أنه يعيش داخل غرفة تحقيق لا داخل بيت، وأنه مطالب في كل يوم بالدفاع عن نفسه، وشرح نواياه، وتبرير كلماته، وإثبات براءته من تهم لم يرتكبها أصلًا… ومع مرور الوقت لا يموت الحب بسبب الاتهامات وحدها، بل يموت من الإرهاق، لأن الإنسان يستطيع أن يتحمل التعب، لكنه لا يستطيع أن يقضي عمره كله وهو يحاول أن يثبت أنه ليس مذنبًا.
اقرأ أيضاً
اشرف محمدين يكتب:-كأس العالم يعيد الاعتبار للمدرب الوطني
اشرف محمدين بكتب «الي الأرجنتين - بالاحترام و ليس بالخوف »
اشرف محمدين يكتب « عندما تصبح الطمأنينة - بداية الإهمال»
اشرف محمدين يكتب:-تسعون دقيقة… قد تغيّر تاريخ جيل كامل
اشرف محمدين يكتب :-لأن القلوب لا تُعوَّض - تمسّك بمن يشبه روحك
اشرف محمدين يكتب:-شخصية المنتخب - فرضت نفسها
اشرف محمدين يكتب « بين العدل والفضل- سر السعادة الزوجية »
اشرف محمدين يكتب:-البطولة التي تُحسم قبل نزول اللاعبين إلى الملعب
اشرف محمدين يكتب «الرجل السيجما - يزيد الجميلة جمالا و بريقا »
اشرف محمدين يكتب « الميسر - حين يرتدي بدلة »
اشرف محمدين يكتب « من يجعلك أوّل اهتمامه - يستحق أن يكون كل اهتماماتك »
اشرف محمدين يكتب:-باريس سان جيرمان - الهيمنة الناعمة في كرة القدم الحديثة
والأخطر من سوء الظن أنه يصنع واقعًا لم يكن موجودًا… فهناك من يبالغ في الشك حتى يدفع الطرف الآخر إلى الانسحاب، أو إلى الصمت، أو إلى البرود، ثم يقول منتصرًا: “أرأيت؟ كنت أشعر أنه تغير.” بينما الحقيقة أن الذي تغير ليس القلب، بل القدرة على الاحتمال.
وفي كثير من البيوت لا تكون المشكلة أن الحب انتهى، وإنما أن الثقة أصابها الصدأ… والثقة إذا خدشها الشك كل يوم، فلن تستطيع المشاعر وحدها أن تحمي العلاقة، لأن الحب يعيش بالقلب، أما الزواج فيعيش بالثقة قبل أي شيء آخر. ولهذا كان حسن الظن ليس سذاجة كما يظن البعض، بل اختيار واعٍ بأن تمنح من تحب فرصة أن يشرح، وأن تلتمس له العذر قبل أن تنصب له المشنقة.
ولذلك، قبل أن تفسر كلمة على أنها إهانة، أو موقفًا على أنه خيانة، أو صمتًا على أنه تجاهل، اسأل نفسك سؤالًا بسيطًا: هل أملك الحقيقة… أم أملك مجرد ظن؟ لأن بين الحقيقة والظن بيوتًا كاملة قد تُبنى، وبيوتًا أخرى قد تُهدم، والفرق بينهما أحيانًا لا يتجاوز فكرةً سيئة سمحنا لها أن تكبر داخل عقولنا حتى أصبحت أقوى من كل سنوات الحب.
وأجمل العلاقات ليست تلك التي لا تعرف الخلاف، وإنما تلك التي ترفض أن تجعل سوء الظن قائدًا لها. فالقلوب التي تعودت أن تلتمس الأعذار تعيش مطمئنة، أما القلوب التي تبحث دائمًا عن الإدانة، فلن تجد في النهاية إلا الوحدة، حتى وإن كانت تعيش تحت سقف واحد مع من تحب.
احذروا من سوء الظن… فهو اللص الوحيد الذي لا يسرق المال، بل يسرق الطمأنينة، ولا يهدم الجدران، بل يهدم الثقة، ولا يطفئ الأنوار في البيوت، بل يطفئ النور الذي يسكن القلوب. وإذا أردتم أن تحافظوا على بيوتكم، فلا تجعلوا الظنون تتحدث بدلًا منكم، ولا تسمحوا للأوهام أن تصدر الأحكام قبل أن تتكلم الحقيقة. فكم من علاقة نجت لأن أصحابها أحسنوا الظن، وكم من علاقة ماتت وهي بريئة، فقط لأن أحد الطرفين صدق شكوكه أكثر مما صدق الإنسان الذي اختار أن يشاركه العمر. وفي النهاية - نجد ان اقسي ما في سوء الظن أنه لا يقتل العلاقة بضربة واحدة، بل يقتلها ببطء… يسرق منها الضحكة الأولى، ثم يسرق الأمان، ثم يسرق العفوية، حتى يأتي يوم يجلس فيه الزوجان متجاورين، وكل منهما يشعر أنه غريب عن الآخر، ليس لأن الحب لم يكن حقيقيًا، ولكن لأن الشك ظل يأكل في هذا الحب كل يوم، كما تأكل قطرات الماء الصخر حتى تنحته. والمأساة أن كثيرًا ممن هدمتهم الظنون لا يكتشفون الحقيقة إلا بعد فوات الأوان؛ بعد أن يرحل أحدهما، أو بعد أن يغلق الطلاق آخر الأبواب، أو بعد أن يتحول الاعتذار إلى كلمات لا تجد من يسمعها. عندها فقط يدرك الإنسان أنه لم يكن يحارب خيانة، ولا كذبًا، ولا غدرًا… بل كان يحارب أوهامًا صنعها عقله، فخسر بسببها قلبًا كان يومًا ما وطنه، ويدًا كانت تمتد إليه بالحب، وبيتًا كان يمكن أن يبقى عمرًا كاملًا. لذلك، لا تجعلوا سوء الظن ينتصر في معركة لا رابح فيها، فهناك بيوت لم يهدمها الفقر، ولم تكسرها الأمراض، ولم تفرقها قسوة الأيام… لكنها سقطت لأن أحدًا صدّق شكوكه أكثر مما صدّق نبض القلب الذي كان يحبه، وحين ظهرت الحقيقة لم يبق ما يمكن إنقاذه لأن بعض القلوب، إذا انكسرت ظلما لا تعود كما كانت أبدا










