اشرف محمدين يكتب : حسام حسن خسر المعركة قبل المباراة
لم يخسر حسام حسن مباراة جنوب أفريقيا داخل الملعب فقط، بل خسر جزءًا مهمًا من معركته قبل أن تبدأ المباراة أصلًا، عندما تحوّل معسكر المنتخب الوطني من مساحة للتركيز والاستعداد إلى ساحة للأزمات والتصريحات المتضاربة والصدامات التي لم يكن المنتخب في حاجة إليها.
فالهزيمة بهدف أمام جنوب أفريقيا لم تكن مفاجأة كاملة لمن تابع المشهد خلال الأيام الماضية، لأن كرة القدم لا تُلعب بالأقدام وحدها، ولا تُحسم الخطط الفنية بمعزل عن الأجواء النفسية والإدارية المحيطة بالفريق. وحين تتراكم الأزمات، وتتوتر العلاقات، وتنشغل المنظومة بالدفاع عن مواقفها بدلًا من التركيز على أهدافها، تصبح الخسارة احتمالًا منطقيًا، حتى لو امتلك الفريق أسماءً قادرة على صناعة الفارق.
البداية كانت مع محمد صلاح، قائد المنتخب وأحد أهم نجوم الكرة المصرية والعالمية. فبدلًا من أن تكون تصريحات المدير الفني عاملًا مساعدًا على احتواء الجدل حول استبدال صلاح في مباراة أنجولا، ثم غيابه عن مواجهة جنوب السودان، اتسعت دائرة النقاش، وتحولت القضية إلى أزمة رأي عام. وليس المطلوب أن يكون صلاح فوق الحسابات الفنية، أو أن يفقد المدير الفني حقه في اتخاذ القرارات التي يراها مناسبة، لكن الفارق كبير بين أن تتخذ قرارًا فنيًا وبين أن تدخل في معركة كلامية تجعلك أنت وقرارك واللاعب محورًا للجدل، بينما المنتخب هو الذي يدفع الثمن.
محمد صلاح ليس أكبر من المنتخب، لكن المنتخب أيضًا ليس في حاجة إلى افتعال معارك مع أحد أهم عناصره، ولا إلى التعامل مع نجومه باعتبارهم خصومًا يجب إثبات السيطرة عليهم. فالمدير الفني القوي ليس من ينتصر في التصريحات، وإنما من يعرف كيف يحوّل اختلاف وجهات النظر إلى قوة داخل غرفة الملابس، وكيف يحافظ على هيبة المنتخب دون أن يجرح كرامة لاعبيه أو يفتح أبوابًا لا داعي لها.
اقرأ أيضاً
اشرف محمدين يكتب :« خسارة البعض - مكسب »
اشرف محمدين يكتب : « منتخب مصر.. حين تصبح الكلمة أخطر من القرار »
اشرف محمدين يكتب : « الانتصار في الخلاف - قد يكون هزيمة للزواج »
اشرف محمدين يكتب : « صلاح - ما زال يكتب التاريخ »
اشرف محمدين يكتب: « نتسامح نعم - لكن لا نثق مرتين»
اشرف محمدين يكتب : « الاهلي الي اين »
اشرف محمدين يكتب : « العتاب كالحب لا تعطه الا لمن يستحق »
اشرف محمدين يكتب :الأرجنتين بعد ميسي - هل انتهى زمن النجم الأوحد ؟
اشرف محمدين يكتب : « القلوب الطيبة لها نهاية »
اشرف محمدين يكتب : « كلوب في ألمانيا.. الرجل الذي جاء ليعيد للمانشافت شخصيته »
اشرف محمدين يكتب : « من كان حضوره مثل غيابه.. رحيله لا يهم »
اشرف محمدين يكتب :« محمد صلاح وطرابزون.. لا تحكموا على الحكاية من أول فصل »
ثم جاءت أزمة محمد عبد المنعم، الذي عاد إلى ناديه نيس الفرنسي وسط جدل بشأن موقفه الطبي واحتياطات حمايته من الإصابة. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا لا تُدار مثل هذه الملفات بهدوء ووضوح وتنسيق كامل بين الجهاز الفني والنادي واللاعب، بعيدًا عن أي إيحاء بوجود خصومة؟ فاللاعب الذي يخضع للتأهيل بعد جراحة يحتاج إلى قرارات تحمي مستقبله، والمنتخب يحتاج إلى مدافع بكامل جاهزيته، وليس إلى أزمة جديدة تزيد المشهد تعقيدًا. ولا يجوز الجزم بأن هناك معاداة شخصية من دون دليل، لكن من حق الجماهير أن تتساءل عن طريقة إدارة الملف، وعن أسباب وصول الأمور إلى هذه الدرجة من الالتباس.
ولم تتوقف الأزمات عند اللاعبين، بل امتدت إلى العلاقة مع اتحاد الكرة نفسه، بعدما أعلن حسام حسن أنه لم يكن على علم بترتيب المباراة الودية أمام جنوب أفريقيا، في تصريح أثار تساؤلات حول التنسيق داخل المنظومة المسؤولة عن المنتخب. وعندما يشعر الجمهور بأن المدير الفني والاتحاد لا يتحركان في اتجاه واحد، فمن الطبيعي أن تتراجع الثقة في قدرة المنظومة على إدارة الأزمات، حتى لو كانت لكل طرف مبرراته الخاصة.
ثم جاءت تصريحات خالد الدرندلي، نائب رئيس اتحاد الكرة، بشأن ما وصفه بعدم قبول تصرفات الجهاز الفني خلال معسكر جنوب السودان، لتكشف أن الخلاف لم يعد مجرد انطباعات جماهيرية أو تأويلات إعلامية، وإنما أصبح هناك اعتراض معلن من مسؤول داخل الاتحاد على طريقة التعامل خلال المعسكر. وهنا يجب أن نتوقف قليلًا؛ لأن الخلاف بين المسؤولين ليس تفصيلًا هامشيًا، بل مؤشر يستدعي المراجعة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالمنتخب الذي يمثل بلدًا كاملًا.
والأخطر من كل ذلك أن هذه الأزمات استهلكت مساحة من الاهتمام كان يجب أن تذهب إلى الإعداد للمباريات، ودراسة المنافسين، وتجهيز اللاعبين، وتصحيح الأخطاء الفنية. فبدلًا من أن يكون الحديث عن كيفية تطوير أداء المنتخب بعد التعادل مع أنجولا، ثم البناء على الفوز الكبير بخماسية أمام جنوب السودان، وجدنا أنفسنا أمام أسئلة متلاحقة عن صلاح وعبد المنعم، وتصريحات الجهاز الفني، والخلافات مع اتحاد الكرة، وطريقة إدارة المعسكر.
وبعد كل هذا، هل كانت خسارة جنوب أفريقيا مفاجأة؟
الحقيقة أن النتيجة لم تكن حتمية، فالمباريات لا تُحسم بالتصريحات وحدها، ولا يصح تحميل الأزمات الإدارية والنفسية وحدها مسؤولية كل هدف يدخل مرمانا. لكن من الصعب أيضًا تجاهل أن المنتخب دخل المباراة وسط أجواء مضطربة، وأن الخسارة بهدف نظيف لم تكن سوى جرس إنذار جديد يفرض على الجميع مراجعة ما حدث، فنيًا وإداريًا وإعلاميًا.
حسام حسن نجم كبير في تاريخ الكرة المصرية، وله مكانته التي لا ينكرها أحد، كما أن توليه مسؤولية المنتخب يمنحه حق العمل وفق رؤيته الفنية. لكن تاريخ اللاعب لا يمنح المدرب حصانة من النقد، والغيرة على المنتخب لا تكفي وحدها لإدارة منتخب بحجم مصر. فالمسؤولية الوطنية تقتضي أن يدرك المدير الفني أن كل كلمة يقولها قد تكون لها تبعات، وأن تصريحًا واحدًا غير محسوب قد يفتح بابًا لأزمة كان يمكن تجنبها بالصمت أو بالحكمة أو باختيار الكلمات المناسبة.
نحن لا نطالب حسام حسن بأن يجامل لاعبًا، أو أن يتنازل عن صلاحياته، أو أن يتجنب اتخاذ القرارات الصعبة. نحن نطالبه بأن يفصل بين الحزم والعناد، وبين قوة الشخصية وتصعيد الخلافات، وبين الدفاع عن قراراته وتحويل كل اختلاف إلى معركة جديدة.
فالمنتخب الوطني ليس ساحة لإثبات من الأقوى، ولا مكانًا لتصفية الحسابات أو كسب المعارك الإعلامية. إنه مسؤولية تتقدم فيها مصلحة مصر على أسماء الجميع، من المدير الفني إلى النجم الأول إلى المسؤول الإداري.
لقد خسر المنتخب أمام جنوب أفريقيا بهدف، لكن السؤال الأهم هو: كم خسر من تركيزه واستقراره وثقة جماهيره قبل أن تبدأ المباراة؟
وإذا أراد حسام حسن أن يستعيد ثقة الجماهير، فعليه أن يبدأ من مراجعة نفسه، وأن يدرك أن النجاح لا يحتاج إلى الانتصار على محمد صلاح أو محمد عبد المنعم أو اتحاد الكرة، بل يحتاج إلى الانتصار على المشكلات التي تعطل المنتخب، وإلى بناء فريق متماسك يعرف كل فرد فيه أن هدفه واحد.
ففي كرة القدم، قد تخسر مباراة بسبب خطأ دفاعي أو فرصة ضائعة، لكنك قد تخسر معركة كاملة عندما تنشغل بما يدور خارج الملعب أكثر مما تستعد لما سيحدث داخله. وهذا تحديدًا ما يجعل خسارة جنوب أفريقيا أبعد من مجرد هدف دخل مرمانا؛ إنها فرصة أخيرة لمراجعة طريقة إدارة المنتخب قبل أن تتحول الأزمات المتراكمة إلى ثمن أكبر يدفعه الجميع







