السبت 15 أغسطس 2026 01:44 مـ 1 ربيع أول 1448هـ
أخبار مصر 2050
  • رئيس التحرير التنفيذي مها الوكيل
  • مستشار التحرير د. عبد الرحمن هاشم
المقالات

اشرف محمدين يكتب:-الحب ليس محكمة

أخبار مصر 2050

الحب ليس محكمة

ليس كل ما يُقال باسم الحب يكون حبًا، فثمة علاقات تبدأ بدفء المشاعر وتنتهي في قاعات محاكم لا قضاة فيها سوى الشك، ولا متهم فيها سوى الطرف الذي يحب أكثر، فيجد نفسه كل يوم مطالبًا بإثبات براءته من تهمة لم يرتكبها، وبإعادة تقديم الأدلة ذاتها، وكأن الحب شهادة مؤقتة تنتهي صلاحيتها مع شروق كل صباح.

إن أخطر ما يواجهه الإنسان في علاقته بشريك حياته ليس الخلاف، فالخلاف سنة الحياة، وليس اختلاف الطباع، فالكمال لم يُخلق للبشر، وإنما ذلك الضغط النفسي المستمر الذي يرتدي قناع الاهتمام، بينما يخفي في داخله خوفًا لا ينتهي، وشكًا لا يشبع، واحتياجًا لا يعرف الاكتفاء.

“أنت بالتأكيد تتحدث مع شخص آخر.”

اقرأ أيضاً

“أشعر أنك لم تعد تحبني كما كنت.”

“اهتمامك بي أصبح أقل.”

“كنت متصلًا ولم ترد.”

“لو كنت تحبني حقًا لفعلت كذا.”

جمل تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها مع مرور الأيام تتحول إلى قطرات متتابعة تنحت في أعصاب الإنسان حتى تترك فيها أخاديد لا يراها أحد، فيجد نفسه يعيش تحت مراقبة دائمة، ويحسب كلماته قبل أن ينطق بها، ويزن تصرفاته قبل أن يقوم بها، ويخشى أن يبتسم حتى لا يُساء تفسير ابتسامته، أو يتأخر دقائق حتى لا تتحول إلى قضية جديدة يُطلب منه فيها الدفاع عن نفسه.

ومع الوقت، لا يعود الشريك يعيش العلاقة، بل يعيش داخل غرفة تحقيق لا تنتهي، يجيب عن الأسئلة ذاتها، ويقدم التفسيرات ذاتها، ويقسم الأيمان ذاتها، ثم يكتشف أن كل ما قاله بالأمس قد سقط بالتقادم، وأن عليه أن يبدأ من جديد، لأن الشك لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث دائمًا عن دليل جديد يبرر بقاءه.

والمؤلم أن هذا النوع من الضغوط لا يصدر دائمًا عن شخص سيئ، بل كثيرًا ما يصدر عن إنسان جريح، خذلته التجارب، أو أرهقته الخيبات، أو عاش خيانة جعلته يرى العالم كله بعين واحدة، فينقل خوفه إلى شريك لم يكن طرفًا في تلك المعارك، ويطالبه بأن يدفع ثمن أخطاء لم يرتكبها، فيتحول الحب، دون قصد، إلى وسيلة للعقاب بدلًا من أن يكون ملاذًا للسلام.

لكن الجراح القديمة لا تمنحنا الحق في جرح الأبرياء، كما أن الخوف من الفقد لا يبرر تحويل من نحب إلى سجين يخضع للتفتيش في كل لحظة. فمن يحبك ليس مطالبًا أن يقضي عمره كله وهو يثبت لك أنه لا يخون، ولا يكذب، ولا يتغير، لأن الحب الذي يقوم على الإثبات المستمر يفقد أجمل ما فيه، وهو الطمأنينة.

والحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن الإنسان لا يبتعد دائمًا لأنه توقف عن الحب، بل قد يبتعد لأنه تعب من الدفاع عن نفسه، وتعب من الشعور بأنه متهم في كل موقف، وأن حسن نيته لا يكفي، وأن تاريخه كله يمكن أن يسقط بسبب رسالة تأخر في الرد عليها، أو مكالمة لم يسمع رنينها، أو انشغال فرضته عليه الحياة.

إن العلاقة الصحية لا تجعل أحد الطرفين يعيش خائفًا من الخطأ، ولا تجعله يعتذر عن أشياء لم يفعلها، ولا تدفعه إلى مراقبة نفسه في كل كلمة، لأن الحب الحقيقي لا يُبنى على المراقبة، بل على الثقة، ولا ينمو بالخوف، بل بالأمان، ولا يستمر بالاستجواب، بل بالاحتواء.

ولعل أكثر ما يقتل المشاعر أن يتحول الشريك، بمرور الأيام، من إنسان يشتاق إلى العودة لمن يحب، إلى إنسان يؤجل العودة، ليس لأنه وجد مكانًا آخر، وإنما لأنه يعلم أن الباب الذي سيدخله لن يستقبله بعناق، بل بسلسلة جديدة من الأسئلة والاتهامات والظنون، فيصبح الصمت أكثر راحة من الكلام، والوحدة أقل إرهاقًا من النقاش.

ولذلك، فإن الحب لا يحتاج إلى محقق، وإنما يحتاج إلى قلب يعرف متى يطمئن، ومتى يثق، ومتى يمنح الطرف الآخر حقه في أن يكون إنسانًا، لا متهمًا دائمًا.

فالذين يعتقدون أن كثرة الشك دليل على شدة الحب، ينسون أن النبات لا يموت لأنه لم يُسقَ فقط، بل قد يموت أيضًا لأنه غُمر بالماء أكثر مما يحتمل. وكذلك القلوب، لا تقتلها القسوة وحدها، بل قد يقتلها أيضًا الإفراط في الخوف، والإفراط في التملك، والإفراط في المطالبة بإثبات الحب.

وفي النهاية، تذكر أن الإنسان قد يحتمل الفقر، والمرض، وضغوط الحياة، لكنه نادرًا ما يحتمل أن يعيش عمره كله متهمًا أمام أقرب الناس إليه. فالحب ليس محكمة، والثقة ليست جائزة تُمنح يومًا وتُسحب في اليوم التالي، والشريك ليس متسابقًا يقضي حياته في اجتياز اختبارات لا تنتهي. فإذا اضطر القلب كل يوم إلى أن يثبت أنه ما زال يحب، فإنه مع الوقت لن يتوقف عن الإثبات فقط، بل قد يتوقف عن الحب نفسه، لأن أكثر العلاقات وجعًا ليست تلك التي ينتهي فيها الحب فجأة، وإنما تلك التي يموت فيها الحب ببطء، تحت ثقل الأسئلة التي لا تنتهي، والشك الذي لا يهدأ، والمحاكمات التي لا يصدر عنها حكم بالبراءة أبدًا

اخبار مقالات

مواقيت الصلاة

السبت 01:44 مـ
1 ربيع أول 1448 هـ 15 أغسطس 2026 م
مصر
الفجر 03:48
الشروق 05:22
الظهر 11:60
العصر 15:36
المغرب 18:37
العشاء 20:01