اشرف محمدين يكتب:-لإسماعيلي - الصراعات هزمت التاريخ
هبوط نادي الإسماعيلي بالنسبة للكثيرين صدمة كبرى، بينما الحقيقة التي يعرفها كل من تابع هذا الكيان العريق عن قرب، أن ما حدث لم يكن صدمة بقدر ما كان النهاية الطبيعية جدًا لمسار طويل من الفوضى والصراعات والقرارات المرتبكة التي استنزفت النادي عامًا بعد عام، حتى أصبح السقوط إلى دوري الدرجة الأدنى ليس احتمالًا مفاجئًا، وإنما مصيرًا مؤجلًا ظل الجميع يهرب من الاعتراف به، إلى أن جاءت اللحظة التي لم يعد فيها الهروب ممكنًا، فسقط النادي الذي كان يومًا أحد أهم رموز الكرة المصرية والعربية، النادي الذي علّم أجيالًا كاملة معنى الأداء الجميل، والمتعة الكروية، والكرة التي تُلعب بروح الفنان لا بعشوائية المقاتل فقط.
إن الأندية العظيمة لا تسقط فجأة… وإنما تتآكل ببطء، تبدأ الحكاية بخلاف صغير داخل مجلس إدارة، ثم يتحول الخلاف إلى انقسام، ثم يصبح الانقسام صراعًا على النفوذ والمصالح والمقاعد، ثم تتحول المؤسسة الرياضية كلها إلى ساحة معارك شخصية، بينما الفريق، الذي يفترض أنه قلب النادي وروحه، يصبح الضحية الصامتة لكل هذا العبث، يدفع الثمن في الملعب من نتائجه واستقراره وثقته، حتى تأتي اللحظة التي يعجز فيها التاريخ نفسه عن حماية أصحابه من السقوط.
وللأسف، هذا بالضبط ما جرى داخل الإسماعيلي على مدار سنوات طويلة، سنوات لم يعرف فيها النادي معنى الاستقرار الحقيقي، لا إداريًا ولا ماليًا ولا فنيًا، مجالس تأتي ومجالس ترحل، لجان مؤقتة تُعيَّن ثم تُغادر، ووعود تُقال في المؤتمرات والبرامج والبيانات، بينما الواقع داخل النادي كان يزداد قسوة وتعقيدًا يومًا بعد يوم، ديون تتراكم، قضايا دولية تتزايد، إيقاف قيد يتكرر بصورة تكاد تكون مهينة لكيان بحجم الإسماعيلي، لاعبون يرحلون، ومدربون يتغيرون، وجماهير عظيمة تقف وحدها تحاول أن تُرمم ما أفسدته الصراعات، دون أن يلتفت أحد إلى أن الحب وحده لا يكفي لإنقاذ مؤسسة تُدار بهذا القدر من الارتباك.
لقد عاش الإسماعيلي طويلًا على رصيد الماضي، على ذكريات البطولات والأسماء الكبيرة والكرة الممتعة، وكأن التاريخ يمكنه وحده أن يحمي الحاضر من الانهيار، بينما كرة القدم الحديثة لا تعترف إلا بمن يملك مشروعًا حقيقيًا وإدارة مستقرة وفكرًا اقتصاديًا وقدرة على التطور، ولذلك كانت المسافة تتسع عامًا بعد عام بين الإسماعيلي وبين الأندية التي فهمت مبكرًا أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة تُدار بالعاطفة والانتماء، وإنما صناعة ضخمة تحتاج إلى عقل احترافي يعرف كيف يبني ويستثمر ويخطط ويحمي الكيان من الانهيار.
اقرأ أيضاً
اشرف محمدين يكتب:-التصالح مع النفس - حين يصبح العمر مجرد رقم
اشرف محمدين يكتب:-حين تتحول الزلازل إلى لغة… اتحاد الكرة بين كشف المستور وصناعة الأزمات
اشرف محمدين يكتب: «تجربتي مع الموت - بين العناية المركزة و العناية الإلهية»
اشرف محمدين يكتب:-الفوز لا يُخدّر الوعي - والأهلي أكبر من مجرد انتصار
اشرف محمدين يكتب:-الإنسان لا يُقاس بجنسه - بل بالفعل الذي يتركه خلفه .
اشرف محمدين يكتب:-حين يسقط الكبار… لا يكون السقوط في النتيجة فقط، بل في التفاصيل التي سبقتها
اشرف محمدين يكتب:-الوعد - عندما يكون الكلام أثقل من العقود
اشرف محمدين يكتب:-البطل لا يُصنع بالصدفة… بل يُبنى بعقلية لا تعرف التنازل
اشرف محمدين يكتب :-بين سارق و مسروق - الحب من إحساس عابر إلى حالة وجود
اشرف محمدين يكتب:-العدالة الغائبة - حين تتحكم الأهواء و العناد
اشرف محمدين يكتب:-ثقافة الاعتذار - حين يصبح الانتصار هزيمة
اشرف محمدين يكتب :-الإدارة الرياضية - حين تصبح القيادة توازنًا بين قوة القرار وحكمة الروح
والمؤلم حقًا، أن الإسماعيلي لم يكن مجرد نادٍ عادي يمكن اختصار خسارته في جدول ترتيب أو موسم سيئ، بل كان حالة خاصة جدًا في وجدان الكرة المصرية والعربية، مدرسة فنية كاملة، لها شخصية مختلفة وطابع خاص وروح لا تشبه أحدًا، ولذلك فإن هبوطه لا يُمثل فقط خسارة لجماهيره العاشقة، وإنما جرحًا حقيقيًا في ذاكرة كرة القدم نفسها، لأن اختفاء الإسماعيلي من دوري الأضواء يبدو وكأن قطعة أصيلة من روح اللعبة قد انسحبت في صمت حزين.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح شديد، أن ما أسقط الإسماعيلي لم يكن الفقر وحده، فكم من أندية فقيرة بقيت كبيرة لأنها امتلكت الإدارة الواعية والاستقرار والرؤية، وإنما الذي أسقطه فعلًا هو ذلك الاستنزاف المستمر في الصراعات الصغيرة والمعارك الشخصية وتصفية الحسابات، حتى تحول النادي تدريجيًا من كيان يبحث عن صناعة المستقبل إلى كيان مشغول فقط بالنجاة من أزماته اليومية، وكأن كل موسم كان مجرد محاولة جديدة لتأجيل الانفجار القادم، لا أكثر.
إن المؤسسات الرياضية الكبرى لا تنهار حين تخسر مباراة، ولا حين تمر بفترة تراجع فني، وإنما تنهار عندما تفقد هويتها الإدارية وقدرتها على اتخاذ القرار، وعندما يصبح الصراع داخلها أقوى من الانتماء إليها، وعندما تتحول المناصب من مسؤولية ثقيلة إلى غنائم يتنافس عليها الجميع، بينما الكيان نفسه يتآكل في صمت موجع.
وربما تكون قسوة الهبوط، على ألمها، هي الفرصة الأخيرة لإنقاذ هذا الاسم الكبير، لأن بعض الكيانات لا تستيقظ إلا بعد الصدمة، ولا تعيد اكتشاف نفسها إلا حين تصل إلى حافة الانهيار الكامل، وربما يدرك الجميع الآن أن الإسماعيلي لا يحتاج إلى مسكنات إعلامية، ولا إلى وعود عاطفية، ولا إلى خطابات إنشائية عن التاريخ والجماهير، بقدر ما يحتاج إلى ثورة حقيقية في الفكر والإدارة والوعي، وإلى رجال يضعون مصلحة النادي فوق مصالحهم، ويؤمنون أن الكيانات العريقة لا يحميها الحنين إلى الماضي، وإنما يحميها العمل الصادق والرؤية الواضحة والقدرة على بناء المستقبل.
فالأندية الكبيرة قد تهبط… نعم، لكنها لا تموت إلا عندما يفقد أبناؤها الإيمان بأن إنقاذها أهم من الانتصار و في النهاية النادي الإسماعيلي لم يسقط لأنه نادٍ صغير، بل لأنه نادٍ كبير تُرك طويلًا فريسةً للصراعات، حتى أُنهك تمامًا، فالتاريخ وحده لا يُنقذ أحدًا، والجماهير مهما بلغ عشقها لا تستطيع أن تُدير مؤسسة، والدموع التي امتلأت بها أعين أبناء الإسماعيلية لن تُعيد الفريق إلى مكانه الطبيعي ما لم تتحول هذه اللحظة القاسية إلى لحظة مراجعة حقيقية وشجاعة ومؤلمة لكل ما جرى داخل هذا الكيان عبر سنوات طويلة من العناد والمصالح الشخصية والفوضى التي كانت تتخفى أحيانًا خلف شعارات الحب والانتماء.
لقد كان الإسماعيلي يومًا رمزًا للجمال الكروي، وكانت جماهيره تذهب إلى المدرجات لا فقط من أجل الفوز، وإنما من أجل المتعة والكبرياء والإحساس بأن هذا النادي المختلف يملك روحًا خاصة لا تشبه أحدًا، لكن أكثر ما يقتل الكيانات العظيمة ليس الفقر، ولا قلة الإمكانيات، وإنما أن يتحول أبناؤها أنفسهم إلى أطراف متصارعة، يستهلكون طاقتهم في المعارك الصغيرة بينما الجدران من حولهم تتشقق ببطء، حتى تأتي اللحظة التي ينهار فيها كل شيء فجأة، ويقف الجميع مذهولين أمام الخراب الذي شاركوا – بدرجات مختلفة – في صناعته.
والمأساة الحقيقية، أن الهبوط لن يكون آخر الأحزان إذا لم يفهم الجميع أن كرة القدم تغيّرت، وأن إدارة الأندية لم تعد تُبنى على النوايا الطيبة أو التاريخ أو الشعبية، وإنما على العلم والاستقرار والاحتراف والقدرة على اتخاذ القرار بعيدًا عن الأهواء والصوت العالي والانفعالات المؤقتة، لأن الكيانات الكبرى لا تسقط حين تخسر بطولة… بل تسقط حين تفقد عقلها.
وربما يكون أكثر المشاهد قسوة، أن أجيالًا كاملة نشأت وهي تسمع عن الإسماعيلي الكبير، إسماعيلي علي أبو جريشة، وشحتة، و حازم و الرومي والكرة الجميلة التي كانت تُمتع الوطن العربي كله، ثم تجد نفسها اليوم ترى النادي ذاته يصارع من أجل البقاء، وكأن الزمن يوجه رسالة قاسية لكل من يظن أن الأمجاد القديمة تكفي وحدها لحماية الحاضر.
ومع ذلك… تبقى الأندية العريقة مثل الأشجار القديمة، قد تُرهقها العواصف، وقد تنكسر بعض أغصانها، لكنها تظل قادرة على الحياة إذا وُجد من يُخلص لها بصدق، لا بالكلام، وإذا أدرك الجميع أن إنقاذ الإسماعيلي لم يعد رفاهية رياضية تخص جماهيره فقط، بل مسؤولية أخلاقية تجاه جزء أصيل من ذاكرة الكرة المصرية، لأن سقوط الكبار لا يُفرح أحدًا… بل يُشعر الجميع بالخوف من أن تتحول الرياضة يومًا إلى مجرد أموال وصراعات ومصالح، بلا روح… وبلا تاريخ… وبلا وجدان










