اشرف محمدين يكتب:-زيدان - فرنسا تعيد اكتشاف نفسها
في عالم كرة القدم، لا تكون بعض القرارات مجرد تغيير اسم على مقعد المدير الفني، وإنما إعلانًا عن بداية مرحلة جديدة، وكأن الاتحاد لا يختار مدربًا بقدر ما يختار الطريقة التي يريد أن يرى بها نفسه أمام العالم، وهذا تمامًا ما حدث مع المنتخب الفرنسي، لأن تعيين زين الدين زيدان لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تعاقد مع أحد أعظم اللاعبين في التاريخ، بل باعتباره اختيارًا لفلسفة مختلفة، ولشخصية كروية جديدة، ولرؤية قد تعيد رسم ملامح الديوك الفرنسية خلال السنوات المقبلة.
لم يكن زيدان يومًا مدربًا يبحث عن أي وظيفة، ولم يكن من أولئك الذين يتنقلون بين الأندية بحثًا عن مشروع جديد أو عقد أكبر، بل ظل لسنوات طويلة يرفض عروضًا كان يتمناها كثير من المدربين، لأنه كان ينتظر الحلم الذي لم يخفه يومًا، وهو قيادة منتخب بلاده، وكأن كل الطرق التي سار فيها منذ اعتزاله كانت تؤدي في النهاية إلى هذا المقعد، لذلك لم يكن وصوله مفاجأة، بل كان تأخره هو المفاجأة الحقيقية.
ديدييه ديشامب سيظل واحدًا من أنجح المدربين في تاريخ فرنسا، ليس فقط لأنه حقق بطولة كأس العالم، ووصل إلى نهائي نسخة أخرى، وقاد المنتخب للاستقرار لسنوات طويلة، ولكن لأنه نجح في بناء فريق يعرف كيف يفوز حتى عندما لا يقدم أفضل كرة، وهي ميزة لا يملكها سوى الكبار، فقد كان يؤمن بأن النتيجة هي الحقيقة الوحيدة التي يتذكرها التاريخ، لذلك اعتمد على الانضباط الدفاعي، والتنظيم، والواقعية، والانتقال السريع من الدفاع إلى الهجوم، حتى وإن جاء ذلك أحيانًا على حساب المتعة.
لكن زيدان ينتمي إلى مدرسة مختلفة تمامًا، فهو يرى أن السيطرة ليست رفاهية، بل وسيلة لحماية الفريق، وأن امتلاك الكرة ليس استعراضًا، بل أحد أشكال الدفاع، وأن اللاعب الموهوب لا يجب أن يُقيد بالتعليمات طوال الوقت، وإنما يحتاج إلى مساحة يبدع فيها، ولذلك فمن المتوقع أن نشاهد منتخبًا فرنسيًا أكثر ميلًا للاستحواذ، وأكثر جرأة في صناعة الفرص، وأكثر رغبة في فرض شخصيته على المنافس بدلًا من انتظار أخطائه.
الفارق الأكبر ربما لن يكون في الخطط والأرقام، وإنما في طريقة التعامل مع النجوم، فزيدان لم يكن يومًا مجرد مدرب يشرح الواجبات التكتيكية، بل كان قائدًا يعرف كيف يدخل إلى عقل اللاعب قبل قدميه، ويمنحه الثقة التي تجعله يقدم أفضل ما لديه، وهذا ما فعله مع ريال مدريد حين نجح في إدارة غرفة ملابس كانت تضم أكبر نجوم العالم، دون أن تتحول إلى ساحة صراعات، لأن شخصيته كانت دائمًا أكبر من أي خلاف، واحترام اللاعبين له كان يسبق أي تعليمات يمنحها لهم.
ومن هنا، فإن المنتخب الفرنسي قد يشهد تحولًا نفسيًا بقدر ما سيشهد تحولًا فنيًا، لأن اللاعب عندما يشعر بأن مدربه يفهمه، ويثق فيه، ويمنحه الحرية داخل إطار جماعي منظم، فإنه غالبًا ما يقدم نسخة أفضل من نفسه، وهذه واحدة من أهم نقاط قوة زيدان التي لا تظهر في الإحصائيات، لكنها تظهر بوضوح داخل الملعب.
ومع ذلك، فإن المهمة لن تكون سهلة كما يتصور البعض، لأن النجاح مع الأندية يختلف كثيرًا عن النجاح مع المنتخبات، فالمدرب هنا لا يملك الوقت الكافي لتطبيق كل أفكاره، ولا يجتمع بلاعبيه يوميًا، بل يعمل في فترات قصيرة جدًا، ولذلك سيكون على زيدان أن يختصر سنوات من العمل في أيام قليلة، وأن يجد التوازن بين جمال الأداء وواقعية النتائج، وهي المعادلة الأصعب في كرة القدم الحديثة.
ويبقى السؤال الذي ينتظر الجميع إجابته، هل ستصبح فرنسا أكثر إمتاعًا مع زيدان؟ ربما نعم… ولكن الأهم، هل ستظل بنفس القدر من القوة والقدرة على حصد البطولات؟ لأن الجماهير قد تستمتع بالكرة الجميلة، لكنها في النهاية لا تحتفل إلا بالكؤوس، وهنا فقط سيبدأ الاختبار الحقيقي.
وفي النهاية، تبقى كرة القدم أكبر من مجرد تغيير أسماء، فهي تتغير عندما تتغير الأفكار، وتولد من جديد عندما يمتلك أصحابها الشجاعة للانتقال من منطقة النجاح الآمن إلى منطقة التحدي، وربما لهذا السبب ينظر الفرنسيون إلى زيدان باعتباره أكثر من مدرب، بل باعتباره رمزًا قادرًا على إعادة صياغة شخصية منتخب بأكمله، فإذا كان ديشامب قد علّم فرنسا كيف تنتصر، فإن الرهان الآن هو أن يجعلها زيدان تنتصر… وتُمتع في الوقت نفسه










